المتقدم ، ثم إذا شاء - عز وجل - بدل أجسامهم التي ضلت في الأرض وفي السماء في
مثالاتها ( تَبْدِيلًا) .
فحياتهم هذه رجعة إلى حياتهم يوم الإقرار وأخذ المواثيق ومثالاتهم بعد هذه
الحياة حال موتهم رجعة بها إلى مثالاتهم حال موتهم عن حياتهم حال الإقرار
والإشهاد ، وحياتهم الأخيرة من حال موتهم عن هذه الحياة رجعة إلى ربهم في
الوجود العلي المعبر عنه بقوله: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا (1) .
لهذا - وهو أعلم - قال: (إِنَّ هَذِهِ) أي: السورة(تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلًا)فإنه مخلوق عن الفتحَين والفيحَين ، مترددًا بين الجنة
والنار ، ومن الواجب اللازم أنه من خلق من شيء فمصيره إليه ورجوعه إلى حقيقة
ما خلق منه ، وإنما يخرجه من النار ويدخله الجنة إيمانه بالله ورسله وكتبه وطاعته
ربه ، كما أنه إنما يخرجه من الجنة ويدخله النار كفره وتكذيبه وشروده عن طاعة
ربه ، ولأنه إلى ربه راجع لذلك هو لا يموت ، فتفهم عصمنا الله وَإياك .
والعالم قد سن به سنن الانتهاء والنشء ، لذلك قسمهم حال الرجوع قسمين:
فريق إلى الجنة ، وفريق إلى جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - فالرجوع الأعلى
يحيون فيه ولا يموتون ، والقسم الأول الذي له الرجوع الأدنى لا يحيون فيما هنالك
ولا يموتون ، بل في عذاب أليم هذا حال الموت ، ثم حالهم بعد البعث وللآخرة
أشد عذابًا وأبقى .
وخاطب أولا بخطاب البسط في قوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا(29) . وهو
ظاهر الوجود وعلن السنة ، ثم قبض الخطاب وحقق التوحيد بقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ... (30) . أي: بمن يستجيب إذا دعي ، ويتذكر إذا هو ذكر
فيقدمه ، وبمن لا يستجيب للداعي ولا هو يسمع المنادي ، وبمن لو سمع لتصام ،
ولو أقبل لرجع ، ولو استجاب لتربص وتقاعس وتشاغل عن التقدم ، وغلب هواه
على علمه وظنه على يقينه ، فيؤخره الله ويتركه حيث ترك نفسه (حَكِيمًا)
في حكمه وفعله .