وصف ، لجهلهم [بتصرف] معاني الخطاب ، وقلة الفقه في ذلك ، وهم في
ذلك استنصروه على يأجوج ومأجوج ، وعرفوا فسادهم في الأرض فبلغوه إليه .
أراه - والله أعلم - أنه لما بلغ إليهم بث فيهم المعلمين فبصروهم ما لهم وما
عليهم ، كما قل له في إسرائه: ثبِّت العالم وبصِّر الجاهل ، فبصرهم ذلك ، فعند ذلك
ميزوا فساد أولئك ، ولعلمه هو بما أنبأه الله - جل ذكره - أنه لا مطمع في هدايتهم
أجابهم إلى ما أرشدوه إليه من قولهم: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) . فتورع - سلام الله عليه - عن أخذ خراج منهم على
ذلك ، بل أمرهم بمعونته وأن يكونوا كأحد الناس .
في ذلك يقول - عليه السلام -: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ). فكان يصورها صور اللبن
وينضدها وينفخ النار عليها ، حتى إذا جعلها نارًا أفرغ النحاس على ذلك ، فانذاب
[داخل] اللبن ، وساوى بذلك ما بين الصدفين ؛ يعني: الجبلبن ، فلم يستطيعوا
لعلوه ظهورًا عليه ولا (لَهُ نَقْبًا(97) . لحسن الصنعة وشد العقد ، وإنما
ذلك لأجل السلطان الذي جعل له على ما في الأرض .
والسبب الذي جعل الله له من كل شيء والحديد والقطر مما في الأرض
والنار كذلك ، والجبلان والسد ، وكل ذلك داخل في قوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)
ومما جعل له عليه سلطان ، وإلا فقد خلفه من وراء السد من أهمه
شأنه ، ومن يومئذٍ جعلوا البقية عملًا من أعمالهمِ وعماله لا شك من أموالهم .
يقول الله ، جل من قائل: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97)