فهرس الكتاب

الصفحة 1459 من 2809

استقرار العلم به معرفة بالغة كمعرفة أحدنا بكلام من تقدم له العلم بمعرفة كلامه ،

وإن كان من وراء حجاب ، وتمييزه من كلام سواه ، وإن كلامه يدل على ما يريده

وعلى العلم ، ومع ما يدل مصنوعه على وجوده دلالة الفاعل على فعله والفعل على

فاعله ، ووحدانيته معلومة من حقيقته قيوميته أبدًا إلى ما دل عليه فعله ، وذلك معلوم

بقيام السَّمَاوَات والأرض ، لا تزول قيوميته أبدًا إلى ما دل عليه فعله ، ولا يمور إلى

أن يشاء ذلك ، وذلك يدل على ألا شريك له ولا إله معه سواه ، وعلى أنه شاهد غير

غائب ، وأنه لا ينام ولا يغفل ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرًا .

ونبَّه أيضًا من معنى قوله الحق: (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي: إن كل شيء له أجل

مسمى ، وعرض في ذلك بطول المدة مذ خلقها لما خلقها له إلى أن يقوض البناء

ويبدلهن بغيرهن ، يقول: فلا تستعجلوا مدة انتظار هذا الأمر ولا تستعجلوا إتيانه ، فهو

إنما يأتي لوقته ، وعرض أيضًا بقوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) بأنهم لطول الأمد نسوا

حظهم وما ذكروا به فأشركوا به ، وعدلوا .

ثم قال جلَّ قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)

إردات التبيان إتيان الأمر إلى مدده المؤجلة له ، كما يأتي المراد بالنطفة إلى ما

وجدت له ، وهو أن يكون إنسانًا، ثم ينقله منقلة منقلة إلى تمام الأمر فيه الذي هو

المراد منه ، عبَّر عن ذلك بقوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي: يجادل في الله ، أو

يجادل عن الله ، فربما أمهلناه على التمتع ؛ ليأكل في ذلك رزقه ، ويتقلب في أحواله

المقدرة له من أعماله وأيامه إلى ما بين ذلك لينال إمهاله .

دلت الآية المتقدمة على أنه الواحد الحق - عز وجل - وألوهيته ، وعلى المألوه

والمخلوق ، وعلى معرفة الرسالة والمرسل والرسول ، لكن بآخرة ، ثُمَّ هذه الآية دلت

على الرسالة بما أخبر فيها عن تنقيل الإنسان وتقليبه في سنن سنته على سبيل

النشء بمشاركة في الدلالة على القدرة والعلم والإرادة والحياة .

قوله - جلَّ جلالُه -: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ...(5) . عطف هذا الخطاب على ما تقدم ،

لاتصال ذكر الخلق بالأمر وتقارب معنييهما ، لصدورهما من أمر الخالق جل وعلا

بالوقوف على قوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) وهذا تعداد النعم أوقع بالمعنى الذي

استاق هذا الخطاب لأجله ، والوقوف أيضًا على قوله: (خَلَقَهَا) بمعنى قد تقدم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت