ضرورتهم عادوا إلى الشح عليكم بولايتهم ومنافعهم (سَلَقُوكُمْ) أي: أسمعوكم ما
تكرهون ، المسلاق من الرجال الفصيح المعرب ، واللسان المسلق الحديد الذرب ؛
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) .
أتبع ذلك قوله: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) يريد ، وهم أعلم: إذا
حضرت الغنائم شحوا عليكم بها ، وحاجوكم في استقصاء المقاسمة على جبنهم في
القتال وشدة هلعهم .
أتبع ذلك قوله: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ...(20) . يقول لشدة
خوفهم وعظيم جزعهم ، وقد ذهب الأحزاب وهم يظنون أنهم لم يذهبوا ثُمَّ قال:
(وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ)
وإن كانوا معكم فقتالهم قليل كما قال - عز من قائل:(لَوْ خَرَجُوا
فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) . المقصود الأول بهذا ما
أنزلت السورة من أجله ، أنه وعظ لهم في خوضهم في نكاحه - صلوات الله
وسلامه عليه - وقولهم في ذلك بقول: هلا تأسيتم به في فعله بما فرض الله
واتبعتموه واهتديتم واقتديتم به ، ثم في شجاعته وتوكله على الله - جل ثناؤه -
وجهده وجهاده وصبره ومصابرته ، وهذا إنما هو لمن آمن بالله واليوم الآخر
وذكر الله كَثِيرًا .
أتبع ذلك وصفه المؤمنين - رضي الله عنا وعنهم - يقول: (وَلَمَّا رَأَى
الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... (22)
هذا منتظم بالمقابلة بما تلاه قبل من قول (الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) . إلى تمام المعنى من
قولهم يقول: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) أي: بالله ورسوله
وبالوعد منه بالعاقبة ، وتسليمًا لأمره في الابتلاء ، والذي وعدهم الله به ورسوله من
فتح فارس والروم وجزيرة العرب والدجال ويأجوج ومأجوج ؛ وجعل في قدمه ذلك
الابتلاء لقوله - جل من قائل: (الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ