غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) .
أتبعِ ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ
مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ... (27) . إلى قوله: (عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) . هذا مثل ضربه -
جل شكره - ليعلم به أنه لم يرد أن يهدي العباد كلهم وهو الواحد الأحد الطاهر
المطهر القدوس خلق كل شيء ، جعل على ذلك الماء آية واحدًا في نفسه ، طاهرًا
مطهرًا ، عذبًا فراتًا ، أنزله إلى الأرض ، ثم صرفه إلى ما صرفه إليه من نبات محمود
ومذموم ، وحيوان وأناسي ، كذلك وخلق أيضًا - وهو الواحد الأحد - الأرض
والجبال فيها القطع المختلفات ، والجدد البيض والحمر والسود والغبر ، والخبيث
والطيب ، ويعلم بذلك أن كل وجود فعن إيجاده ، وكل كثرة فعن وحدته ، أوجد ذلك
بجوده ، وأتقنه بحكمته لحكمة له في ذلك عن وجوده العلي ظاهرة بقدرته القاهرة .
يقول - عز وجل - لرسوله ولمن توجه إليه بخطابه من أولي الألباب من عباده:(أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ)واحد أحد (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) موحدًا طاهرًا مطهرًا إلى الأرض
فازدواجًا زائدًا إلى ما كان علق بذلك من معنى الفتح والفيح في هواء الأجواء ،
وأخرج عن ذلك ما شابه ما عنه وجد أزواجًا من نبات شتى ، ومن(ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا
أَلْوَانُهَا)ومن جنات معروشات وغير معروشات ، ومن خبيث وطيب ،
وغاذٍ وقاتل ، إلى غير ذلك مما في الأرض والجبال والحيوان والأناسي من مختلف
الألوان والأشكال والأرايح والمنافع والمضار ، والأخلاق والملل والنحل
والأعمال ، والجدد الخطوط في الجبال شبه الطريق بها ، والغربيب: هو الأسود
الحالك .
يقول الله - جل ذكره: (كَذَلِكَ ...(28) . أي: كذلك أديانهم وأذهانهم وأفهامهم
ومذاهبهم ومقاصدهم مختلفة ، و (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) الأحياء بروح
الإيمان ، الذين وجدوا طعمه بحياة اليقين والعلم والرضا والإسلام (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)
أي: منيع لا ينال ما عنده إلا ببذل المحجوب ومفارقة المرغوب وبجشم الموت
واقتحام المكروه في الله وعلى سنة رسوله (غَفُورٌ) لما يكون في أثناء