رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) .
قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(29)
هو مدبر الأمر كله ، ومقلب الليل والنهار ، ومرسل الرسل ، ومنزل
الكتب ، يخفض ويرفع ، ويقدم ويؤخر ، ويغني ويفقر ، ويعز ويذل ، منذ خلق الخليقة
ورفع السماء ووضع الأرض ما كرر صورة ، ولا كرر يومًا ولا ليلة ولا شهرًا ولا
سنة ، ولا ما في أْثناء ذلك ، كل بصورته المخصوصة وكيفيته المقدرة له وشأنه
المراد به .
قال الله - عز من قائل - فيما حكاه عن رسوله نوح ، صلوات الله وسلامه عليه:
(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) .
ثُمَّ قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(30) . أفبإيجادي إياكم على صور
مختلفة أو يإيجادي الشمس والقمر والنجوم في مطالع ومغارب محدودة ، أو
بتقليبي الليل والنهار والقلوب والخواطر ؛ أو بإفرادي كل ذي صورة بصورته وكل
ذي حال بحالته وكل ذي أمر بأمره ، بأي آلائي تكذبان ؟ لا بشيء من آلائك نكذب ،
ربنا لك الحمد أبدًا ، كذلك ما في السماوات ولا في الأرض من شيء إلا وهو
قانت له عابد ، مسبح له ساجد ، شاهد له دال عليه(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ).
(كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) .
يقول الله - جل من قائل: (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) هذه من آلائي (فَبِأَيِّ
آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) .
قوله - عز وجل -: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ(31) . وقرأها أبو حيوة:
(سَيُفْرَغُ) بالياء مضمومة وفتح الراء على ما لم يسمَّ فاعله ، الفراغ في لغة العرب
على وجهين: فراغ من شغل بشيء إلى شيء ، وليس هذا هو المراد هاهنا بهذا
الخطاب إن الله لا يشغله شيء عن شيء ، وفراغ بمعنى: القصد ، تفرغت للشيء:
قصدت إليه وعمدت ، فمعنى الخطاب على هذا: سنقصد لمجازاتكم بأعمالكم
وسؤالكم عن جميع ما فرط منكم يوم الجزاء حين حلول الأجل .