بألوهيته ، ثم يخبر عن ذلك بما شاء تحقق في ذلك كله أنه فاعله ، ومنزله ومقدره
وزارعه ومنشئه ومدبره ، والقائم عليه وممسكه حال وجوده ، ثُمَّ ما أصدره بعد من
قول أو خبر أو من مثل ، فعلى إثبات ما أخبر به ، وتحقيق ما عرض إليه بذكر
موجودات الدنيا وأفاعيله وضروب حكمته فيها ، ويذكر بالحق الموجود في الدار
الآخرة من دار القرار وما بينهما ؛ ليعبر المعتبرون من شاهد إلى غائب ، ومن صغير
إلى كبير ، وما عدا هذا النمط هو [....] أخذ من الجوار عن قصد السبيل لحظه ،
وجار بوصف عن سواء القصد بقدر بعده عنه .
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ... (11)
ظاهر هذا تمداد النعم ، ومفهومه وصف اقتداره على إنزاله من
السماء ثم تشريفه إياه على سنته فيه وبه ، وأخرج به على ذلك من كل الثمرات وخلقه
عنه كل شيء ، وذكر الشراب وسوم الأنعام في النبات تعريض بذكر ما عنه منبعث
ذلك بأنه يخلق منه خلقه ويفصله إلى ما هو يفصله عن أنعام ونبات وأناسي ، وفيه
تعريض بحكم باطن الخطاب إلى معنى قوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) .
وإنه لما أنزل من السماء الماء فأخرج به من كل الثمرات ، وخلق منه كل شيء
حي ، فإذا بنزوله ذلك من زاد الحيوان ، وآية للمعلوم من واجب وجوب الشبه بين
الشيء وبين ما يكون عنه ، كالنطفة من الإنسان يخلق الله منها إنسانًا ، وكذلك غيره ،
ولوجود ذلك على الكشف أقسم رب العزة جل ذكره في قوله: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) .
هذا إلى ما تقدم ذكره من الدلالة على أنه يخرج الموتى كما يخرج النبات ،
وعلى أنه كما بدأ أول خلق يعيده ، كما قال جل ذكره: ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ(11)
و (كَذَلِكَ النُّشُورُ(9) . كما يحيي الأرض بالماء ينزله من السماء فيصرفه إلى
ما يصرفه إليه ، ويخلق عنه أنواع النبات والحيوان ، كذلك ينزله من السماء وقد مات