السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ... (79) . فأظهر بهذا الخطاب ما أشار إليه فيما قبله
كما قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)
تثبت بذلك من حقيقة الوحدانية وظهور القيومية ، وإن تحديد الصنع
وتوالي الإمساك يجري إلى الموجود راتبًا أبدًا على الدوام ما شاء إمساكه ، وقد تقدم
الكلام في تبيانه لذلك ، والله أعلم بما ينزل .
قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يقول: فأين أنتم من
حقيقة عظيم هذا الشأن وصدق وجود توالي هذا القيام أفتتخدونه وليًّا كما قال:
(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) إلى قوله:
(عَضُدًا) .
قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ... (80) . السكن: موضع
الود والحب ؛ أي: حببها إليكم"يعني: المنازل والمساكن ، حتى قال قائلهم:"
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إليَّ وسلمى أن تصوب سحابها
بلادٌ بها نيطت عليَّ تمائمي ... وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابها
يعرض بما قد أعد لأهل الإيمان والعمل بطاعته من بيوت فيما هنالك ،
وقصور تكون سكنًا حقًّا لساكنيها ، وودًّا على سبيل النشء والبون كما بين دار الدنيا
ودار القرار وبذلك يتم النعمة بها والسرور لأجلها .
(وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ)
عدد عليهم نعمه بما متعهم به وسخره لهم من الأنعام ومنافع بها ، ومن بيوت
معرشة وأخبأ هذه للسكنى وإقامتهم ، وهذه للترحال والحفوف ، والأثاث: متاع
المنزل والبيت والكسوة (إِلَى حِينٍ) أي: إلى الموت ، فالمتاع بها هو
في طول مدة بقائهم في الدنيا كل على مقدار توسسة الرزق ، وتقديره كما قال:
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36) . أي: إلى حين تخرجون
منها إلى غيرها تستدفئون فيها من البرد، وتستدفعون بها وهج الحر - وغير ذلك من
المكاره الواردة عليهم من فيح جهنم ، أعاذنا الله الرحيم برحمته منها.
ويعرض بذكره البيوت والسكن إليها ، والبيوت التي هي للظعن بقصور من