محمد - صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
وجاء في بعض الكتب المتقدمة: أقبل من سيناء وتجلى من [ساعير] ، واستعلن
من جبال [فاران] ، فإقباله من سيناء - أي: موسى - وتجليه من [ساعير] إقباله بعيسى
[واستعلائه] من جبال [فاران] بمحمد ، صلوات الله وسلامه على جميعهم .
نظم بذلك قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) . هذا جواب
القسم ، يقول: خلق الإنسان مفطورًا على فطرة الإسلام الدين القيم على الصراط
المستقيبم ؛ لذلك وصف خلقته بأنها في أحسن تقويم .
(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5) . إما في طريق الديانة ، فالكفر والتكذيب ،
وإما فيما سبيله الجزاء ، فالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه
خلقه وعمله في الدنيا من الدواب والهوام والبهائم ، وفي الآخرة يسود وجهه ويزرق
عيناه ويشوه خلقه .
قال الله - عز من قائل: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ(42) .
وقد قيل في قوله - جلَّ جلالُه -: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) . أي:
في أحسن صورة ، صوره [ذا] روح ، وذلك موجود في خلقه العالم الأكبر ، ثم في
خلقه آدم - عليه السَّلامُ - وهو العبد الحري ، ثم عن أبيه وأمه ، لاتصال وجود الشبه ، ولما كان
شبهه متصلًا هذا الاتصال إلى العالم الكلي دخلت الشبهة على من لم يصل إلى
تحقيق العبد الكلي علمًا به فقال بأنفس كثيرة .
قال الله - عز من قائل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ
جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا) إلى قوله - جل
ثناؤه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)
إلى قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) إلى قوله:
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) إلى
قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) إلى ما هو المعبور إليه
من جنة أو جهنم ، وهو ما عبر عنه قوله الحق: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا
خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) . سجانه وله الحمد أبدًا ، هو أحسن
الخالقين ، صور أحسن صورة وأتقن بحكمته أحسن خلقة .