إسراعهم ذلك وقصدهم ناظرين إلى الأرض لا يطرفون ، ولا يرتد إليهم طرفهم ،
فإذا رفعوا رءوسهم إلى السماء ذهلوا وامتلئوا رعبًا ، فارتفعت أفئدتهم إلى
حلاقيمهم يكظمونها كما يكظم البعير جرته .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) .
وقال: (كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18) . أقنع
الرجل يديه في الدعاء بمعنى: رفعهما مادًّا لهما .
(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ(44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) .
قوله تعالى: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) وقال جل قوله
هذا جوابًا لقوله:(رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ
تَكُونُوا)فمعنى ذلك كقولهم: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3)
وقولهم: (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29) . يذكرهم بما عبر عنه قوله
الحق: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) ونحو
هذا .
أتبع ذلك قوله جل قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ
لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) . مفهوم هذا: فما ازدجرتم
ولا اتعظتم بما رأيتم ، وضربنا لكم الأمثال [....] يعني: الحق والباطل ، فلم
تفهموا أو لم تعقلوا ما المراد .