وقد تقدم أنه كما من أهل النار فراط إليها كذلك من أهل الجنة فراط إلى
الجنة ، وهي جنة المقربين بعد الموت ، وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر إخوانه - على
جميعهم السلام:"وأنا فرطهم على الحوض"أي: أنا متقدمهم إليه .
قال الله - عز من قائل - وذكر المختصر: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88) فَرَوْحٌ
وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ
الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) .
ثم قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ(95) . يعني: حق الموت ، وقد تقدم
الكلام في إثبات ذلك في غير موضع في هذا ، ولذلك قال - عز من قائل: (فَبِأَيِّ
آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) .
وكما أنه في كل برزخ مزج من الذي قبله والذي بعده كبرزخ البحرين المالح
والعذب ، وكمشي الليل والنهار ، وكخيف الجبل والسهل ، فكذلك برزخ ما بين
الحياة الدنيا والحياة الآخرة كائن فيه لا محالة مما مضى ومما لم يأت بعد ، ويخص
قوم بالإكرام وقوم بالإهانة بقدر الاستجابة لله والرسل ، والنكوص عن ذلك والتأخر ،
لكن على شريطة اعتقاد النشء ، فكما أن في هذه الدار جنات وعدن وأنهار وفواكه
ونساء ، فكذلك في الدار الوسطى التي هي البرزخ بين هذه الدار والدار الآخرة ،
وهي أكبر وأظهر ، وما هذه في الدار الآخرة إلا قليل .
نظم بذلك قوله - جل من قائل: (مُدْهَامَّتَانِ(64) . ظاهر هذا أنهما
مدهامتان نعمة ونضارة ، وإن كان ذلك فيما هنالك لا بد ولا محالة ، أي: أنهما
نضرتان إلى السواد والدهمة ، وهذا في وزان قوله في الأولين: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)
وذلك معهود في جنات الدنيا بشرط اعتقاد فضل الآخرة على الدنيا ،
ووصف الدهمة في جنات الآخرة وأنها تضرب إلى السواد ليس يعني الوصف ، والله
أعلم .
وإنما ذلك - والله أعلم بما ينزل - أن هاتين الجنتين فيما هنالك في وزان