جميع ما خلق الله من شيء .
(فصل)
وعبد قوم الشمس والقمر والنيِّران وذلك موجود آياته في هذه الدار على
رؤته - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - فضلوا بعبادة الدليل دون المدلول عليه أو
بإشراكهم به .
وعبد قوم الملائكة - عليهم السَّلام - والملائكة عباده المصطفون
المخلصون ، زعموا أنهم يشفعون لهم عند ربهم - جلَّ جلالُه - فضَلوا بذلك ، وإنما يشفعون
لمن ارتضى ربهم ولمن أذن في شفاعته .
وعبد قوم عيسى ابن مريم وغزيرًا والأحبار والرهبان ، طمعًا في شفاعتهم ،
وكل ذلك لم ينزل به سلطانًا ولا كِتَابًا ، ولا أرسل به رسولا ، ولا أذن لهم به ، فضلوا
بذلك وبعدوا عن الحق ، فصوَّروا الأوثان ونصبوا الأصنام وشبهوا على أنفسهم
وأتباعهم .
وعبد قوم المصنوعات كان أولهم في ذلك ؛ لأنها مفعولات لله ، فعبدوها
لذلك ، فكان أحدهم متى كان في سفر لم يأخذ فيه أهبة لمعبوده بجمع وصمة من
حجارة ، فإن لم يجد حجارة جمع ترابًا ، فجلب على ذلك عنزًا ، ثم قعد يعبده
ويسجد له ، فكل له قانتون ، والاختلاف في الهداية وإصابة الإذن ومخالفة الرضا منه
-عز جلاله - وإنما نحن عباد مملوكون لا نملك شيئًا ولا نستحقه ولا نعلم ما
يرضيه منا ، فلا بد من الإذن والعلم بما فيه رضاه ، وذلك يوجب إرسال الرسالة بما
شاء - عز جلاله - فما أعظم نعمته علينا بإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، معلمين لنا
بما هو رضاه وبما هو الصراط المستقيم ، والحمد لله رب العالمين .
أتِبع الكلام بمعنى ما تقدم قوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) . إلى: (يَقْنَطُونَ(36) .