بين يدي أمورها ، وكلام مفهم وتخاطب ومعاملات ، وطاعة لله ولرسوله ، وود لعباده
المؤمنين بما ذكر من شأن النملة والهدهد والجبال والطير .
جمع ذلك قوله:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُمْ)وخضَ هذا بذكر الجناحين تخصيصًا للبهائم ؛ إذ الملائكة
والجن لا يفتقرون في الصعود والنزول إلى جناح ، وجمع ذلك كله بقوله:(وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)وحيثما ذكر السجود والقنوت منها إلى ربها
فهو من ذلك وإن لم تفصح بذلك الوجود كل الإفصاح ، ولأوضح ذلك منها
للأكثرين كل الإيضاح (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
لكن الإيمان: يقول الصادق الحق ويضطر إلى اعتقاد ذلك والتصديق به حقيقة
لا مرية فيه ، هانحا حمدت الحوامد عن الكمال ، واستعجمت العجم عن الإفصاح
في حقنا نحن ، لا في حقيقتها لحكمة بالغة له - جلَّ جلالُه - في ذلك ، وهو دليل على أنه خبأ
الآخرة في ظل الدنيا ، وليدل أن من سبل سنته في جل الموجودات أن يبدأها
صغيرة ، ثُمَّ يستن بها سنن النشء حتى يكملها في الآخرة ، وذلك أيضًا من دلائل
وجود الآخرة عند انتهاء الدنيا إلى غير ذلك من آياته .
قوله - عز وجل - فيما حكاه عن الهدهد: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ
بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) . الإنباء أبدًا يأتي عن الإخبار عن الغيب ،
ولما كان أمر سبأ غائبًا عن سليمان أنبأه بشأنها يقينًا من الهدهد ، ثم قال: (إِنِّي
وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ... (23) . وأخبر أن سبأ ليست هي المرأة ولا البلد كما
قد قيل .
وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ ما هو ؟ قال:"رجل ولد عشر قبائل فسكن"
اليمن ستة والشام أربعة ، فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار
وحمير ، وأمًا الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان"وإنما سكن هؤلاء هذه"
البلاد لما أخرجهم الله منها - أعني: من موضع سكناهم - بسبيل العرم .