أي: اّن الذي ترى نوره وتسمع كلامه هو الله رب العالمين ، وأخبره - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه وشأنه عن نفسه بالآنية وتحقق الشهود والحضور ، يقول الله - جلَّ من
قائل: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(164) .
وقوله: (نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ) نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي هو
جانبه الأيمن منه نعت للشاطئ ، فإما أن يكون من اليُمن وهو كذلك ، ولا أحق
تحقيقًا من ذلك اليُمن ، وإمَّا أن يكون اليمين ، فإلى من يكون يمينًا شاطئ ذلك
الْوَادِ الْمُقَدَّسِ ؟ .
أرى - والله أعلم بما ينزل - أن ذلك الشاطئ الذي نودي منه موسى كان عن
يمين موسى - عليه السَّلام - والمواجهة أيضًا يمين ولا يستقبله عند ابتغاء مرضاته إلا كان له
-جل ذكره - مواجهًا (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .
وقال في موضع آخر: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا)
فإن كان ذلك كما ذكرنا ، فقد يجمع في هذا الشاطئ الوجهان معًا: اليمن من الله - عز وجل -
واليمين من موسى ، والمواجدة والجانب الغربي ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"باب الجنة"
مفتوح من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من
مغربها"فاتصف الشاطئ باليمن بالنداء الكريم منه ومن قبله ، واتصف باليمين"
بموقف الرسول صلوات الله وسلامه عليه - ونسبته إليه بالمواجهة واليمين منه .
وأرى - والله أعلم - أن تلك الأرض إنما سميت بالأرض المقدسة والمباركة
لذلك التجلي العلي يومئذ ، ولعلم الله - جل ذكره - في أزله أنه يكون ذلك منه في
المستقبل سماها بذلك قبل وبعد ، وقد جاء أن تلك الأرض هي المقصودة بالحشر ،
ويومئذٍ يجيء الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)
ويتجلى للمؤمنين يومئذ ، وإنما ذكرنا هذا لنقف على اتساق حكمته في أحكامه .
قوله - عز وجل -: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ(10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ... (11) . أعلم - جل ذكره - أن المرسلين لا
خوف عليهم ، كما قال في موضع آخر: ( يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ