يبلغه مطالبه مخلوق ، ولذلك وكَّل - صلى الله عليه وسلم - حسابهم إلى الله جلَّ ذكره .
ألا تسمع إلى قوله تعالى:(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا
عِلْمَ لَنَا)علموا - صلوات الله وسلامه عليهم - أن ذلك اليوم تبلى فيه السرائر ،
فأجابوا - صلوات الله عليهم - بأنهم لا يعلمون ذلك ، وقالوا صلوات الله وسلامه
على جميعهم: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) .
هذا إلى أن في قوله جلَّ قوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)
فالحجة البالغة له المعهود من أن الإيمان محله القلب ، وكذلك
المعهود من معنى الكفر ، وإنما يكونان ظاهرين لما يصدر عنهما ، فيكون إسلامًا وما
يضاده ، ولذلك أعقب هذه الآية قوله عزَّ قوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
لما يصدر عن القلوب ، عليم بما تكنه القلوب من ضمائرها .
ولو كان ما قالوه صحيحًا وعري الخطاب عن تحقيق ما عبَّرنا عنه أيضًا لم
يكن بنسخ ، وإنما هو مرصد لوقته ، فالقتال والانتصار لا يمكن في كل وقت ولا
على كل حال ، فإذا تمكن الإمكان وجب الجهاد الظاهر والقتال والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، ومع الضعف وعدم القدرة ووجدان الوهن والاضطرار يرتفع
الوجوب ، فهذا هو النسخ الصحيح (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) .
قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ...(257)
إلى قوله: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الإماتة والإحياء
على ضروب ، وعلى انقسام ذلك يكون انقسام الحياة والموت ، فمن ذلك حياة
الدين ، وهي ما عنى بقوله الحق:(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ)كما قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا