لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
وقد يأتي بعض التفصيل ما لم تكن العقول أن
تعهده، ولا آنست إليه أكثر القلوب، ولولا رحمة الله في التنزيل ببعض الخطاب لما
جوزه الإيمان، كذكره - عز وجل - الاستواء على العرش وإلى السماء بحرف"ثم".
وقوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى) .
و (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) .
وكقوله جل قوله:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ
سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا).
وكقوله: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) إلى قوله
جلَّ قوله:(أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ
بِهَا).
محكم هذا وأمه قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
وكذلك قوله عز قوله يخاطب إبليس - لعنه الله - جوابًا لقوله: (لَأَحْتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ). إلى قوله:
(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ).
فمحكم هذا وأمه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) .
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. . . .) .
قوله عزَّ من قائل: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
الرسوخ والولوج والدخول من ظاهر إلى باطن، من قولهم: رسخ السهم في
الأرض إذا ثبت فيها ودخل فيها، فالرسوخ في العلم هو الدخول من ظاهره إلى
باطنه، وذلك بأن يعبر بما عقله وأبصره ظاهرًا إلى ما لم يبصره ولا عقلها ظنًّا،
فيبصر ببصيرته ما غاب عنه.
وإنما موقع بصره سماء وأرض وأفلاك تستدير وشمس وقمر ونجوم وهواء
ورياح وسحاب ونبات وحيوان، وغير ذلك من موجودات الدنيا، فيعبر من جميع
ذلك إلى الخالق، ومعرفة الصانع - جلَّ جلالُه - وأسمائه وصفاته، ومعرفة الدار الآخرة