بين السماوات والأرض"."
وفي أخرى قال:"إني نعست فاستثقلت نومًا فرأيت ربي في أحسن صورة قال"
فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد"."
ورواه أيضًا قتادة عن أبي قلابة ، فهذا تبيين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما جعل الله - جل
ذكره - في قلبه من حكمته ، وملأ منه صدره من نوره ونبوته وعلمه من علمه ، وأمَّا
القرآن فعرض من الإنباء عن اختصام الملأ الأعلى عرضًا من اختصامهم آخر ، وهو
ما وصل به قوله: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(69) .
(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ(71) . فذكر الأمر
بالسجود ائتمامًا بآدم وطاعة لأمر الله - جل ذكره - ومسارعة الملائكة عليهم
السلام إلى امتثال الأمر ، وإباء إبليس لعنه الله ، وكان إبليس يومئذٍ في جملة الملائكة
قبل المحنة بالأمر بالسجود ، ولم يكن بعد أبلسه ولا أْبعده من ملكوت السماء ولا
أهبط من العلو ، فكان ذلك اختصام من الملأ الأعلى عرضه إليه القرآن ، وهو أصل
لما علمه - صلوات الله وسلامه عليه - المعبر عنه بقوله:"فعلمت ما بين المشرق"
والمغرب"أعني: إباءه عن السجود ومحاجته ، واشتراطه لنفسه بعد الإغواء الذي"
حاق به . وسجود الملائكة - عليهم السلام - وطاعتهم في ذلك ومسارعتهم إليه ،
ولتعليمه آدم - عليه السَّلام - الأسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة ، إلى قوله: (أَلَمْ أَقُلْ
لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
أصل ومنبعث لما علمه إياه في السماوات والأرض .
وفي قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) . منتظم لأنواع الذكر الذي في
القرآن كله ، وبخاصة ما في هذه السورة يدور علم ذلك في الإنباء على قوله: (مَا
كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) . وأن المراد به: إثبات النبوة
لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبذلك صح ما جاء به وبما جاء به صحت نبوته ، فافهم .
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(75)