معروشات والطيبات ومن كل الثمرات ، فكما خلقناهم من الدار الآخرة كذلك إليها
نعبدهم ، ألم يروا أنا خلقناهم من تراب فنردهم إلى التراب ، فكذلك لما خلقناهم
عن الدار الآخرة نرجعهم ، ثم لا يدخل الجنة إلا من آمن بها وعمل صالحًا ، ولا
يدخل النار فيما هنالك إلا من أبى وشرد وكفر النعمة وبطر الحق .
نظم بذلك ما هو بيان له قوله - جل من قائل: (فَلَا ...(40) . هذا رد لقولهم وتكذيب
لطمعهم (أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) ذكر - جلَّ ذكره وتعالى
جده - بموضع منبعث الفتح والفيح عن الدار الآخرة زائد الجزاءين والمنبئ عن
حقيقة الثوابين ، وقد تقدم الكلام على أن تقسيمه وحكمته في ذلك على مواقع
النجوم ، وأنها نجوم المنازل ، وهي أيضًا نجوم تنزيل القرآن والوحي المنزل على
وافد الآخرة المنذر بعذاب ما هنالك المبشر بثوابه .
ثم قال - عز من قائل: (إِنَّا لَقَادِرُونَ(40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ ... (41) . أي: نذهب
بهم ونخلف بعدهم من هو خير منهم ، ثم قال - عز من قائل:(وَمَا نَحْنُ
بِمَسْبُوقِينَ)أي: إذا أمتناهم على أن نبدل أمثالهم يحمل عليها
وفيها ذواتهم في دار البرزخ لنذيقهم عذابًا دون العذاب الأكبر وفوق عذاب الدنيا
في الخزي والشدة والألم ، أشار بقوله: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) إلى
ما ينالهم ويلقونه من الحق اليقين .
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ...(42) . أي: (حَتَّى)
يأتيهم الموت فيلاقوا (يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) إما بالموت فيفضون
فيه إلى دار البرزخ ، وإما يوم البعث ، وهو اليوم الله - جلَّ جلالُه - فيه (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ
سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) . شبههم في إجابتهم داعي الله
يومئذٍ وسيرهم كأنهم في يوم عيدهم قد انقلبوا من جمعهم ذلك إلى أنصابهم
ومذ ابحهم .
ثم أخذ يصف حالهم يومئذٍ في ذلك بقوده: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ...(44)
يقال لهم: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) .