الهلاك جهلًا وطيشًا ، شبههم - جلَّ جلالُه - هنا بالغنم ينعق بها راعيها ولا تعقل من نعقه سواء
أنها تسمع صوتًا لا يفهم .
وفي غير هذا الموضع حطهم درجة عن فهم الأنعام ؛ إذ الأنعام قد ألهمت نداء
راعيها وزجره ، فهي على الأغلب تنزجر وترجع ، وإن كان قد وصفها - جلَّ جلالُه - بأنها لا
تعقل ؛ لذلك وصفهم بالصمم والبكم والعمَى ، وإنهم لا يعقلون ، والفراش لم يلهم
إلى ذلك ، وإنما عندهم التصميم دون الازدجار ، فأخبر جل وعلا عن أولئك
الممثلين بالفراش بأنهم لا يرجعون ، ومن إغراقهم في استحقاق اسم الذي وصفهم
به أن الأنعام ليست بموصوفة بالعقل وهي مع ذلك تنزجر ، ولا ينتفعون بصفاتهم .
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ...(172)
إلى قوله: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أباح - جلَّ جلالُه - لجميع الناس أن
يأكلوا ، وضمنه لهم بشريطة العبادة لله والإخلاص له والإيمان بقوله - عز وجل -:(وَاشْكُرُوا
لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
وجميع الناس في الأرض بمنزلة أبيهم آدم - عليه السلام - خلقه الله - جلَّ جلالُه - وأدخله الجنة
وزوجه وقال لهما: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)
وموضع النهي لهم على الإجمال هو ألا يطيعوا الشيطان ولا يتبعوا
خطواته ، وخاطب - عز وجل - المؤمنين بأن يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، وأن يشكروا الله
ربهم ، فإن كان هذا الخطاب لجملة المؤمنين فهو محمول على أن جملتهم خليفة
أبيهم آدم - عليه السلام - في الأرض ، وتبقى عليهم خصوصية ملك الأملاك .
وأقام الأربعة المنصوص عليها بالتحريم على جملة المؤمنين مقام تحريم
الشجرة في الجنة على آدم - عليه السلام - والأربعة هي: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهِلَّ
لغير الله تعالى .
وعلل جلَّ ذكره تحريم أكل الخنزير بأنه رجس ، ونص على الخمر بأنها
رجس ، وكذلك على الأنصاب والأزلام ، ونص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحُمر الأهلية
بأنها رجس ، فحيثما كان الرجس فمحرم سوى ما أجازته الأملاك بوجه صحيح ؛
فهو محرم على غير المالك إلا بطيب نفس مالكه ، ثم قد فتح الاضطرار إباحته على
وجه ما .