بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، وبين له من معالم العلم
وشعائر الشرائع كل ما جل ودق، ونزل عليه كتابًا معجزًا أفحم مصاقع الخطباء،
وخطابا مفحمًا أعجز بواقع البلغاء، بأظهر بينات وأبهر حجج، قرآنًا عربيًّا غير ذي
عوج، أنزله بحسب المصالح والحِكم منجمًا، وجعله بالبسملة والحمدلة مفتتحًا
وبالمعوذتين مختتمًا وأوحاه متشابهًا ومحكمًا، مزاياه ظاهرة باهرة في كل وجه وفى
كل زمان، دائرة من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، فمن تمسك بعروته
الوثقى وحبله المتين، وسلك جادته الواضحة وصراطَه المبين، فقد فاز بمناه، ومن نبذ
وراء ظهره وعصاه، واتخذ إلهه هواه فقد هوى في تخوم الشقاء، وتردى في مهاوي
الردى والاشتباه، فإن بلاغة البلغاء وإن طالت ذيولها وفصاحة الفصحاء وإن سالت
سيولها، تتقاصر عن الوفاء بأدنى أوصافه، وتتصاغر عن التشبث بأقصر أطرافه، فتعود
ألسنتهم عنه قاصرة، وصفقتهم في أسواقه خاسرة، كيف وتلك الآيات والدلائل
وتلك البينات والمخايل، وهذه العبارات العبقرية، وما في تضاعيفها من أسرار
البرية، مما لا تحيط به ألباب البشر، ولا تدرك كنهه طباع العالم الأكبر والأصغر،
بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل
أقصر آية من آياته؛ فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه كلام الملك العلام من
الإطراء والإكرام، أوفق بما يقتضيه الحال من الإجلال والإعظام.
والصلاة والسلام على من أرسله الله إلى الخلق هاديًا وبشيرًا، ونزل عليه
الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا؛ فهداهم به إلى الحق وهم في ضلال مبين، وسلك
بهم ملك الهداية حتى أتاهم اليقين، أكمل به بنيان النبوة والجلالة، وختم به ديوان
الوحي والرسالة، وأتم به مكارم الأخلاق ومحاسن الأقوال، على ألطف أسلوب
وأحسن أحوال، أعلى به من الدين معالمه، ومن الحق مراسمه، وبين من البرهان
سبيله، ومن الإيمان دليله، وأقام للحق حجته، وأنار للشرع محجته، حتى انتشرت