(فصل)
إنه لا يؤهل للشفاعة في عباد الله في الآخرة إلا من دعا لهم ونصحهم في
الدنيا ، ومن دعا عليهم مُنع ذلك ، لا سيما الشفاعة العليا ، ولا يستحق درجة
الوسيلة العظمى فيما هنالك إلا من وسل بين الله وبين عباده في الدنيا
وأصلح بينهم ، وعدل فيهم ونصح ودعا لهم ، دل على ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"اللَّعانون لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة".
ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا ، ثم لم يصل عليه ، وأبقى ذلك في أمته سنة ، ولا
يصلي الإمام على من قتله في حد من حدود الله آية على هذا المعنى ، وتنبيهًا على
حكمه ، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ماعز"لقد تاب توبة لو قسمت بين"
أهل المدينة لكفتهم"وفي أخرى:"إنه لينغمس في أنهار الجنة"ومع هذا من"
علمه به فقد ترك الشَّفاعة له في الدنيا والصلاة عليه من أجل أنه قتله في حد
من حدود الله .
والى هذا ففي قول الله - جل ثناؤه - لموسى وهارون: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا
فَاسْتَقِيمَا ... (89) . أي: على سبيل أولي العزم من الرسل ، ولا تستعجلوا بالعذاب على
أحد (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) يعني والله أعلم بما ينزل:
الذين لا يعلمون صدق أسماء الله ومضاء صفاته من عفوه ومغفرته وعلمه وأناته