"وجعلناها وابنها آيتين".
كون السماء محفوظة من دلائل النبوة وحمايته إياها عن أباطيل الشَّيَاطِين ،
وكونها مرفوعة دون عمد من دلائل الوحدانية والقدرة والقيومية والعلم المحيط
والمشيئة العالية .
يقول الله - جلَّ من قائل: (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) أخبر الله
الجليل الحق - جلَّ جلالُه - في أول السورة بتلهيهم عن الوحي وإعراضهم عن الذكر ،
ويخبر في هذا الخطاب كله بإعراضهم عن آياته في السماوات والأرض ، لو تنبهوا
لها ونظروا بقلوب واعية لرأوا الأعاجيب .
نظم بذلك قوله الحق: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) . قد تقدم الكلام في بعض آيات الليل والنهار والشمس
والقمر وكونها جارية في أفلاك دلالة على إرجاعه حكمه أوائله على أواخره ، وذلك
دلالة على تناهي الآجال وتمام الأوقات ، وفي ذلك العلم بانقراض الدنيا ومجيء
اليوم الآخر بما فيه .
ثم قال - عز من قائل: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) دليل على أن
الكثرة راجعة إلى الوحدة كما انبعثت منها تعود إليها كما قال ، جل ثناؤه:(وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)فإذا حققت النظر وجدت
الموجودات كلها على اختلافها يجمعها واحد منها .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُمْ).
(أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53) .
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ(34)
أرجع هذا الخطاب إلى معنى ما تقدم في صدر السورة ، قولهم:(هَلْ
هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)وقوله:[(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي
إِلَيْهِمْ)]إلى قوله: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا