كما قال جل قوله: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(75) .
وقد يكون على حكم تنزيل الخطاب بأن يوجه المعنى إلى خزائن الغيب ما
أخبر به في خزائنه ، التي له ما في السماوات والأرض ، كالماء ينزله - عز وجل - من السماء
من خزائنه ، ثم الماء خزانة لجميع النبات والحيوان والنبات خزانة للحيوان
والأرزاق إلى غير ذلك ، كما كانت الرياح خزانة للماء .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ
لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) .
وهذه خزائن قد أعلم بها .
وقال - جلَّ قوله - في تلك: ( لَا يعلمهَا إِلّا هُوَ ) فالوجه الأول
أولى ، والله أعلم .
والعرب تقول للخزانة التي تختزن: مفتح بغير ألف ، وتجمعها: مفاتح ،
ويقولون لما يفتح به الغلق: مفتاح بالألف ، ويجمعونها: مفاتيح بالياء .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ...(61)
معهود فعل صفة القهر فيما سبيله الغلبة للنفوس وصفات الباطن ، كما معهود فعل
القدرة في إيجاد الأجسام وذوات المقادير ، والله - جلَّ جلالُه - يحفظ خلقه من أن يصيبهم من
أمره ما قد سبق في علمه ، وفي تقديره من أمره أن يصرفه عنهم ، ثم هؤلاء الحفظة
يتعاقبون في الموجودات على رتبة حفظة الأعمال حفظة بالليل وحفظة بالنهار .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ،"
ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر . . ."."