الصف والزجر"إذ هو من غلبة رحمته عذابه ."
ثم قال - عز من قائل: (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا(3) . ما تتابعه الملائكة -
عليهم السلام - من ذكر أنهم (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20) . ثم
قد يكون المعنى بذلك أيضًا: الأنفس المتابعة للأمر المقتدية بسنن الأنبياء - عليهم
السلام - والألسن التاليات للقرآن والذكر والكتب ، سمي القارئ: تاليًا ؛ لأنه يتبع
الكلام بعضه بعضًا ، أقسم الله - جلَّ جلالُه - بهذه الأقسام على أنه الإله الواحد الذي لا شريك
له ، وأنه هو رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق واجتزئ بذكر
المشارق عن ذكر المغارب .
(فصل)
ولا تجد أبدًا إقسامه - جل ذكره - إلا مطابقة لمعنى المقسم من أجله من
تدبر ذلك وجده على ما ذكرناه ، غير أنه ربما عارض ذكر القسم في ذلك عظم
الشأن وعموم الأمر ، فيظن لذلك أن قسمه غير متناول للمعني به ، ولذلك قصرنا
على القسم بأسمائه وصفاته ، ولما كان جميع الموجودات عُلُوًّا وسفلًا قد أصفقت
على الإجماع والقنوت له والتسبيح والسجود والصلاة له ، وصفت له بذلك صفا
وزجرت بأدائها شهاداتها ودلالتها على حقيقة الأمر ، فتتابعت على ذلك باطنًا
وتولاها على ذلك من أصابه الله - جل ذكره - بهدايته ظاهرًا أقسم بهذه الأقسام
على أنه الإله الواحد رب كل شيء .
أتبع ذلك قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ(6)
ثم عطف بالواو قوله: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ(7) . على المعنى ، أي:
جعلناها زينة للسماء الدنيا وحفظًا .
قوله تعالى: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى ...(8) . وقرأها ابن
مسعود: (لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) فثبت من هذا الخطاب أنهم لم يجعل
لهم السمع إلا إلى من دون السماء الدنيا ، ولا يسمعون أيضًا لمن دون السماء الدنيا