فكادت أن تبدي به من غير قصد لها منها لذكره ولا تدبير ، بل كان تركبها للتبريح به
تعليلًا وصبرًا لما ربط الله جلَّ ذكره على قلبها لتكون من المؤمنين بما أوحى إليها
من قبل في شأن موسى - عليه السلام - وبأنه من المرسلين .
قوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)
لم يُرِدْ - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه
بذكر السؤال هَاهُنَا مشافهتهم ، وإنما أراد سؤال الحال ، كقوله جل قوله:(فَاسْأَلْ بِهِ
خَبِيرًا).
ثم قال جلَّ قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا . . . . )
فأحاله - جلَّ جلالُه - على سؤال المخلوقات واسترشاد المبتدعات ، وكما تقول العرب:"سل"
الدار ، سل الأطلال"ونحو هذا: ( سَل بَنِي إِسْرَائِيلَ) بما أعلمناك من شأنهم ، وما"
قصصنا عليك من أمرهم (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) .
كقوله جلَّ قوله: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. . . )
إلى قوله جلَّ قوله: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) .
ثم قال جل قوله: (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ) يعرض بهم حيث
بدلوا ما أنعم الله عليهم من الرسالة والكتاب وتلاوته بآرائهم ، وكتموا وغيَّروا ،
وألبسوا الحق بالباطل ، وتهديد لهذه الأمة تأديبًا لهم بغيرهم ، أي: لا يغترن أحدكم
بما يراه من الصفح والمهل والإكرام ، فليحذر الذين لا يتقون أن يصيبهم مثلما
أصاب بني إِسْرَائِيلَ من تبديل النعمة بالنقمة ، والإكرام بالإهانة ، والعزة بالذلة
(فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
ثم قال عز من قائل: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ...(212)
كقوله جلَّ قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ(29) .
وقوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110) .
ثم قال عز قوله: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: الذين