جل ذكره ، وهو وجه حسن صواب والله أعلم ، وعلى هذا فلتُبنَ منه المساجد ،
وليصلح منه قناطر المسلمين وجسورهم ومواضع منافعهم ، وأما أئمة المسلمين
فداخلون فيما هو للرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن أفضل عليهم من سهم الله جل ثناؤه فهو أيضًا
منه هذا في خمس الخمس ، والأربعة الأخماس يقسمها الإمام فيمن حضر القتال
من المسلمين البالغين الأحرار .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) إلى قوله جل قوله:
(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(42) . وصف العدوة
التي كان فيها المؤمنون أنها الأدنى من الدنو ، ولكونه عز جلاله مع المؤمنين
والملائكة كما وصف العدوة التي كان فيها الكفار بأنها القصوى ؛ إذ كانت هذه منه
عز جلاله ، فذكر الله جل ثناؤه موافاة الجيشين بدرًا بوفاق منه جل ثناؤه .
يقول جل قوله: (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ) إذ فعل المكتسب لا
يخرج على الأغلب على وفق ما يريده ، وفعل اللَّه جل ثناؤه موجود على وفق ما
شاءه (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) من نصرة رسوله والمؤمنين ،
وإظهار الإسلام يومئذٍ ، وكبت الكفار وقمع العدو ؛ ليري على ذلك آياته في
رؤية المؤمنين إياهم على أقل من عددهم ، ويُري الكافرين المؤمنين على مثال ذلك
قبل الزحف والمناشبة ، فلما تناشبوا القتال بدت للكفار في حوزة المؤمنين
جموع أذعرتهم ، وألقى الرعب في قلوبهم وثبَّت المؤمنين ، وكانت الهزيمة والقتل ،
وهذا كان يومئذٍ الفرقان المعبر عنه بقوله جل قوله: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) .