قوله - جلَّ جلالُه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ...(174)
إلى قوله - جلَّ جلالُه -: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175) .
انتظم ذكر الكتمان بما تقدم من ذكره جلَّ ذكره في قوله تعالى:(يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ)إلى قوله: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا
قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) .
ثم استاق - جلَّ جلالُه - بعد قصص بني إسرائيل وفي أثناء ذلك يخاطب المؤمنين ، ويأمر
بأوامر وينهى عن مناهي .
ثم ثنى على ما تقدم ذكره من الكتمان قوله جل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) .
ثم ذكر - جلَّ جلالُه - توبة من كتم ولبس بالباطل ، فشرط فيها الإصلاح لما أفسده ،
والبيان لما كتمه ، والإقلاع وترك العودة بمقتضى لفظ التوبة .
ثم قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) فجمع بهذا العموم
كفر العناد والشرك وكفر الكتمان وغيره ، ثم أقام - جلَّ جلالُه - الدلالة على ما أخبر به من
تحقيق الوحدانية وإثبات الإلهية بتوابع ذلك ، وقد تقدم فيما مضى .
ثم ثنى - جلَّ جلالُه - على ذلك هَاهُنَا ذكر الكتمان تعظيمًا لشأنه وتشديدًا عنه ، يعرض
في ذلك كله لعباده المؤمنين بما أجاب أولئك في نبوتهم وكتابهم تأديبًا منه لهم
بغيرهم وتعليمًا بسواهم ، وهو الرؤوف الرَّحِيم .
(فصل)
قوله عزَّ من قائل: (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(159) . قيل:
معناه: وتلعنهم الملائكة - عليهم السلام - والمؤمنون ، وقيل: يلعنهم كل شيء ،
وهو الأوجه ؛ إذ كل ما أوجده اللَّه جلَّ ذكره شاهد له دال عليه ، لا يعرف الكتمان
ولا هو من شأنه ، بل جميع الموجودات يشهد عند من استشهدها وترشد من
استرشدها ، ويؤدي شهادتها عند ألباب المعتبرين وعقول المتفكرين ، قد كتمت