وعبادة الغير لا خير في عبادة غير الله ، وإنما هو إعلام بأن الخير هو في عبادته
وحده ، وأن عبادة الله وحده له من وصفه في الدار الآخرة أنه لا يشبهه شيء ، فافهم .
أظهر ذلك في قوله:(إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا
لَهُ )وقوله: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا
لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) . فأي خير أبقى في عبادة غير الله ، وإنما ذلك
كقوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) . إلى قوله:
(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(11) .
وقوله: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) إلى قوله:(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)هو إعلام منه لنا أن الخير في عبادة الله - جل ذكره -
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: مآل ذلك وعائدة نفعه ، ومتى وكيف ذلكم خير لكم
فيما هنالك ، أي: في الدار الآخرة ، يشير إلى ما هنالك من الزيادة والعلية والعلم
بذلك هو العلم العلي ، وقد شرح هذا المعنى وأوضحه في سائر القرآن .
قوله تعالى: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ...(18) . يمكن
أن يكون هذا الخطاب متوجهًا من الله - جل ذكره - إلى هذه الأمة العرب وسائر
الأمم على لسان رسوله ، ويمكن أن يكون قولًا لإبراهيم منتظمًا بمعنى ما تقدم من
تبليغه وتبيين ما أرسل به يخاطب به قومه .
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...(19)
أظهر الله الخلق بالإحياء ، ثم هو يبطنه بالإماتة والإعدام ، ثم يعيده بالحياة الآخرة
مظهرًا هذا بالحكم ، وأمَّا معنى الكلام - والله أعلم: ألم يروا بأبصار رؤوسهم كيف
يبدئ الله الخلق ثُمَّ يعيده ، بأن نزل الماء من السماء فيخرج به زرعًا ونباتًا جمًّا ، ثم
يجعله هشيمًا تذروه الرياح فيكون بذلك معدومًا ، ثم يعيده ثانية مظهرًا .
فإن قالوا: إن هذا النبات المظهر في هذا العام غير ما قد أنبته في العام الأول
والذي ينبته في المستقبل ، فهذا من قائله هرب عن التحقيق ، وهو لما اقتدر على
إظهاره أولًا ثم على إعدامه ، فإن إظهار مثله أيضًا ممكن جائز ، وقد بينه الوجود أولا ،