رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أكثروا في ذلك ، ومضت لذلك مدة ، فصعد المنبر وقال:"من"
يعذرني من قوم آذوني في أهلي وائتوهم بما ليس فيهم . . ."ولم يسمِّ أحدًا حتى"
قام سعد بن معاذ فقال: أخبرنا بهم يا رسول الله ، فإن كانوا من الأوس ضربنا
أعناقهم ، وإن كانوا من الخزرج أمرتنا فيهم بأمرك ففعلناه ، وثار حينئذٍ ؛ بينهم خلاف ،
ولم يسمِّ أحدًا ، وهذا هو الأدب والورع .
قوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ...(12)
صرف وجه الخطاب إلى المؤمنين الذين كانوا يصغون إلى خوض
الخائضين في الإفك ، يقول لهم: هلا إذ سمعتموه ظننتم بالمؤمنين خيرًا ، فصرفتم
عنهم قول السوء ، وقلتم لأنفسكم ولمن تسمعونه منهم: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)
انعقد العقد في المؤمن أنه مؤمن حق ، فلا يخرجه عن ذلك قول قائل
وإن كثرت المقالات إلا بمعاينة أو إقرار منه ، ثم إن تحصلت المعاينة فيتوجه حينئذٍ
وجوب الستر عليه للمؤمن والنصيحة له فيما بينه وبينه .
ثم إن تحقق منه عصيان فوجب عليه حد من الحدود أقيم عليه ، ومع هذا فلا
يخرجه عن المعهود منه الذي هو الإيمان إلا الردة ، ونهى المؤمنون عن التحسس
والتجسس ، فمتى اتفق أربعة رجال عدول عثروا على زانيين والفرج في الفرج ،
وعاين كل واحد منهم ذلك عيانًا ، لا يشك في المشاهدة توجه عليهم أداء الشهادة
عند السلطان إن حضر رافع يرفعها إليه سواهم ، وإلا كانوا في موضع الحاجة إلى
من يشهد لهم بتحقق ما رفعوه وذكروه عنهما ، هكذا هي حرمة المؤمن من
حيث هو مؤمن ، يقول الله - جل من قائل: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ
يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) .
قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...(14)