يذهب مذهبه أو ينحو نحوه إن كل ذي حقيقة قائمة بنفسها فهو الحق ، ويصلح أن
يسأل عنه فيقال: ما هو ، وجعلوا هذا من حد السؤال عن كل جوهر قائم بنفسه .
فقوله - لعنه الله: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) كأنه يقول: أليس هو
الحق وأنا الحق أيضًا ؛ فأجابه موسى - عليه السَّلام - بما هو مبطل لحجته لو يعقل بقوله:
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(24) . أي: إن كنت
توقن أنك لست بخالق السماوات والأرض وما بينهما ، وهذا موضع اليقين لو
اهتدى لعلم أنه من خلق السماوات والأرض وما بينهما هو المالك لذلك كله ،
وفرعون ومن تبعه مما بين السماوات والأرض فـ (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ(25)
قوله هذا يدل عليه بأنه لم يسمع مقالته ، ولم يفهم عنه مراده بقوله:
(رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ(26) .
(فصل)
أصل الدجل: إبليس لعنه الله ، قال الله - جل من قائل - للسامري على لسان
رسوله موسى - عليه السلام -:(فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا
لَنْ تُخْلَفَهُ)فقوله: (لَا مِسَاسَ) كناية عن العزة ، وأنه لا يعاصب ، وقوله:
(وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ) .
قول إبليس ، لعنه الله: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)
إلى قوله: (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) . فأجاب رب العزة على
ذلك منه: (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) .
المعنى كله كما جاء ، وأنه لما أراد اللَّه - جل ذكره - أن يستخلف في الأرض
الساجدين من ذرية آدم خلقه من تراب ، وأمر الملائكة بالسجود له إذا سواه ونفخ
فيه من روحه ، وفي ذلك وجوب وجود السجود من آدم خالقه ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) . ائتمامًا به (إِلَّا إِبْلِيسَ) لم يكن يومئذٍ من
الساجدين ، لأنه لم يكن في الأزل كذلك: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ