فضل رحمته لجمع خيرات هذه الدار في تلك الجنبة وأبقى جبة التقوى في هذه
الدار دون خلد ولا متاع ؛ توفيرًا عليهم ذلك لدار خلودهم .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه - قد ذكر ملك فارس والروم وقلة الشيء عند
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"يا عمر ، أوَلا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟"
إنما يوجد طعم الإيمان وبرد اليقين بروح الإيمان وروح الرضا ، وحياة العمل
وصفات تلك الحياة ، والكفار لا يجدون أجاج الكفر وكربه [....] لوجود موت
الجهل وعدم صفات الحياة التي أوجدها المتقون بروح الإيمان .
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ...(13)
مثل للكفر والإيمان وإتباع هذا هذا ، وهو أيضًا مثل للإله الحق - جل
وعز - ولما لا يعلمونه من إله باطل ، يقول - عز وجل - إعلامًا لعباده بأنه أوجد الكفر
والإيمان ، وخلق ما هو مثل للحق والباطل ، ونظم على ذلك معاني موجودات الدنيا
وجزاء الآخرة ، ليري حكمته وتظهر قدرته ، ويجعل ذلك كله ثوابًا لعباده المؤمنين
في الدار الآخرة لإيمانهم بذلك ، وعملهم بطاعة بارئهم في ذلك .
قال الله عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ...(31) . فهذه إثارة
رحمته فيها ودلالة على موجودها في الآخرة ، لذلك قال: (بِنِعْمَتِ اللَّهِ) وقال:
(لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ) لما قد يعتري البحر من اغتلام ، والفلك من هول
موج وريح عاصف وغرق مع ما تقدم ذكره وأشار إليه في جنبة الإنعام ، ثم جمع
ذلك بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) وقال: (وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) .
وإيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل هو ما ينقصه من هذا فيزيده في هذا ،
أجرى حكمته في ذلك على تدوار دوائر محكمة التدوار ، وكذلك سخر الشمس
والقمر لمنافع العباد (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) يعلم بذلك أن الدنيا لها أجل مسمى
ينتهي إليه أمدها ، ثم تخلفها الآخرة كما يخلف النهار الليل .