الأرض أن يكون أجاجًا؛ إذ الهواء أبوه والأرض مستقره ، لولا يسبقه فتح رحمته
على ذلك بأن أنزله زلالًا طاهرًا مطهرًا مباركًا جعل منه كل شيء حي ، والحمد لله
رب العالمين .
لذلك أعقب بقوله - جل من قائل: (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) أي:
تؤمنون بالله الذي خلقه وأنزله رحمة بكم وتصدقوا برسوله المبلغِ عنه إليكم ،
وبالدار الآخرة التي عنها منبعث هذا الأمر ، وتطيعون قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي
تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) . يقول: أوْرَيْت
النار: إذا قدحتها من زنادها ، ووريت الزند أرى وورى ، وهو يورى: إذا انقدحت منه
النار ، والعرب تقدح بالزند والزندة ، وهو خشب يحك بعضه إلى بعض فتخرج منه
النار .
يقول تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ(72) . يعرض
بخلقه إياهم من الأرض والماء والهواء والنار إلا أن الماء والأرض لخلق الأركان
والأخلاق والصفات للهواء والنار وبآخره يدخل هذا الصنف على هذا وهذا على
هذا ، فكما هو منشئ النار في الشجر وإن لم تكن نارًا في الشجر ، فكذلك ينشئ
أجسام العباد وإن لم يكن بها حياة فإذا شاء إحياءها نفخ في الصور (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ (68) . فوزان قدح النار من الشجر والزناد وزان الصيحة بهم ، ووزان
إنشائه الأجسام وزان إنشائه شجرة النار .
يقول - جل قوله وتعالى جده: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ...(73) . أي: بأنه
يذكر بإنشائه في الشجر إنشاء الحياة في الأجسام ، ويذكر أيضًا بإظهارها من غيبها
النار الكبرى أنها في غيب ما نشاهده ، وهذا من إثارة كونها في الجو منبعث
وجودها فيه عن الفيح المشتمل على نفَسَيها ، كذلك ما هو عن إثارة فتحه برحمته -
جل ذكره - وهو المعنى المنبعث عن الجنة بواسطة الماء ينشئه في الشجر نشاهدها
أعوادًا مائلة ؛ ثم يخلق فيها الثمر الرمان والزيتون والأعناب والتين وجميع الفواكه .
وغيب هذا الوجود من هذا الآل في وزان إيجاده النار غيبًا في شجرتها ،
وظاهر إيجاده ط هو عن إثارة الجنة من الطيبات كلها ، وزان إيجاده كل ذي طعم