بها ، وإن آمنوا أحرمهم فَهْم كتابي وآياتي ، ثم آخذ على وصفهم على ذلك بقوله:
(وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
أي: الذين آمنوا وكانوا غافلين ، يقول: سأحرم هؤلاء وهؤلاء الفهم
عني ، وأصرفهم عن النظر في آياتي وتفهم كتابي .
تقدير الكلام: والذين آمنوا بآياتي وكانوا عنها غافلين حال إيمانهم ، فأولئك
أيضًا يصرفهم عن الفهم عنه في كتابه وحكمته في الموجودين إلا من شاء الله
تنبيهه ، إذ المتغافل عن النظر في كلام ربه وآياته قد أخذ من معنى الفسق بنصيب ،
فإنه ما أنزل الله كتابه ولا خلق السماوات والأرض وما بين ذلك إلا النظر في ذلك ،
والعبرة به [ثم] قصد بالإخبار عن المكذبين بقوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... (147) . قال عز من قائل: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
من تغافل أغفلنا قلبه عن النظر لنفسه بازدياد الإيمان والتطلع إلى
معاهد الموقنين ، ومن كذب بآياتي وكتابي أحبطنا أعماله وصيَّرناه إلى سوء المصير .
وربما كان المعني بقوله: (دار الفاسقينَ) زائدًا إلى ما تقدم ذكره: أرض
الشام ، إذ كان فيها يومئذٍ الجبارون ، وعلى حال فالعبد ما لم يكذب بآيات ربه ولقائه
كان في سعة من أمره إن كان في غمار المسلمين كان من تبعيتهم وساقهم ، وإن كان
مع ذلك مخوفًا عليه ، وإن كان من عليتهم وشغل خواطره بتفهم كتاب ربه والنظر
في آياته وتعرف الحق المخلوق به السماوات والأرض ، وعبر عن مشهود ذلك إلى
غيبه كان في الدرجات العلا إن شاء الله .
اعلم - علمنا الله وَإياك من علمه وأيقظنا من سنة غفلتنا - أن الغفلة أصل كل
خطيئة ومنبعث كل مكروه ؛ لأنها تكسب الوقر في أُذن القلب ، فتبطل عمل سمعِ
العقل عن الله ، والسمع الذي هو سمع الآذان سواء المتصف به والبهائم (أَمْ
تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)