إصابة الحق بين المتشابه ، وفعل ما هو الأولى والأفضل مع وجود الموانع ،
والحكمة أيضًا: فهم القرآن الحكيم ، هو من أخرج معاني الشمال من معاني اليمين ،
وقوَّم نفسه عن عوجها ، ويراضها من رعونتها وصعوبتها ، فيسلك باليسرى منها
مسلك اليمين .
وهذا تفسير لما تقدم ، وأصل وجود الحكمة في هذا العالم الدنيوي ومنبعثها:
فعل اللَّه جل ذكره في فيح جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - في تعاقب نفَسَيْها
على ما مضى إيماؤه وتقسمه ذَيْنكَ النفسين على أربعة أجزاء الدوائر منهما ،
وإيراده فتح رحمته عليهما ، ثُمَّ كيف مازج بين ذلك بحكمته وأحالهما أن يكونا
[....] بلطيف تدبيره وعجيب حكمته بما قارن بين المتعاصيات وزاوج بين
المتنافرات .
وربما كثر عن الوحدة ، ووحد الكثرة ، وأوجد عن ذلك حكمة بالغة أنواعًا من
جنات دلَّ بها على ما هنالك ، وضروبًا من موجودات جهنم - أعاذنا الله الرحيم
برحمته منها - آية على وجودها في الدار الآخرة ، ولم يَخلُ الشهي اللذيذ من
مكروه ينفر عنه ، ولم يدع الكريه الفظيع من مراد فيه وبه يدعو إليه ، لذلك قال عز
من قائل: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269) .
رفع قدر الحكمة ، وأعلم أنه لا ينال عليَّها إلا بالذكر والتفكر ، وتكرير الذكر
على الفكر والفكر على الذكر ، ومنه: (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) .
ثم أرجع - جلَّ جلالُه - على معنى النفقة ذكر الوفاء بها ، وما كان من نذر بطاعة الله - جلَّ جلالُه - ،
وما عقب ذلك بقوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(270) . أي: ما للظالمين
الذين ينفقون أموالهم في سبيل شهواتهم لا على ابتغاء مرضاة الله ولا بنيات لله
سليمة يثبت عليها نفسه ، وكذلك الذين يعقدون على أنفسهم عقود النذور ولا
يوفون بها ما لهؤلاء من الله من أنصار .