ما عليه جُبِل كما تقدم في إمساك السَّمَاوَات والأرض أن تقع أو تزول .
هذا هو الأصل في عبادة المخلوقات كلها فطرة وشرعًا ، إلا ما كان من
الملائكة - عليهم السلام - فهم الذين ليست لهم إرادة تخالف رضا االله ورضاه
بهم وفيهم ولا طبع ، بل هم المجبولون على ما يحبه منهم ويرضاه ، وهذا هو الفرق
بين عبادة المكلفين وعبادة الملائكة ، فالسَّمَاوَات والأرض لا تجد ألمًا لإمساكها
عما جبلت عليه ، لكنها لو تركت إلى أنفسها لذهبت إلى ما جبلت عليه - بإذن الله
-والمكلف واجد صعوبة ذلك عليه وعسره ، إلا أن يمن الله - جل ذكره - على من
يشاء منهم ، فيزيل ذلك عنه أو بعضه ، وعيش الملائكة ورضاهم ومحبوبهم في
طاعة الله وذكره وما قد خلقوا له .
ثم قد يرفع الله بعض عباده إلى أن يجعل محبته ورضاه في محبة ربه ورضاه ،
فيكون عيشه وحياته في ذلك ، وكدره ونكد عيشه وحياته فيما خالف ذلك ،
فذلك الذي أحياه الله حياة طيبة ، وذلك المجتبى المصطفى الموالي ، جعلنا الله منهم
وألحقنا بهم ، إنه ذو مَنٍّ كريم ورحمة واسعة .
قوله - جلَّ جلالُه -: ( [لِكُلِّ] أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ...(67) . قد تقدم قوله
-عز وجل -: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)
كما قال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فوجب أن
يكون المعني هنا بقوله: ( [لِكُلِّ] أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) كقوله
الحق: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) .
يقول - وهو أعلم بما ينزل: ما الذي أنكر هؤلاء مما جئتهم به ، ولكل أمة من
جماد أو نبات أو حيوان على اختلاف ذلك جعلنا لهم منسكًا هم ناسكوه ؛ أي: سنة
وشرعة يستنها ويشرع إلى وجوده عليها ، وما جئتهم به هي شرعتهم إلينا .