أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا"]."
(فصل)
قوله - عز من قائل: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا(72)
إن الكافر والغافل في الدنيا أعمى عن الهداية وعن ذنوبه
وحسناته وسيئاته ، جاهل بالتمييز بينها كل على درجات في ذلك ، فإذا كان
يوم القيامة دفع إليه كتابه يقرؤه ، فلا يرى فيه الكافر سوى سيئاته ، وما كان له من
حسنة فقد أطعم بها وعوفي .
يقول الله - جلَّ من قائل:(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)أي: كتبًا
وجزاء في الدنيا ، ثم عطف على ذلك بالواو قوله: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)
أي: من سيئة أو حسنة حاضرًا ، ثم قال: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) كما
تقدم ؛ إمَّا أن يجزيه بها في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما إن كان مؤمنًا .
وأمَّا المؤمن فكان بصيرًا بدينه ، بصيرًا بما يقربه من ربه ويبعده يقظانًا ، فهو
هناك مبصر ، وربما تمم للكافر العمى ظاهرًا وباطنًا ، كما قال - عز من قائل: (وَمَنْ
أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) . إلى
قوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى(127) . وكقوله:(وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا).
قوله - عز من قائل: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ...(78) . هذه صلاة
الظهر إلى صلاة العشاء الآخرة ، وبين ذلك العصر والمغرب ؛ لذلك جعل بين
الأمدين حرف أنتهاء الغاية ، ويدخل أيضًا بمعنى الحد في معنى الغاية(وَقُرْآنَ
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا).