مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
قوله جلَّ ذكره: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً . . . . (1) .. إلى قوله جل قوله:
(رَقِيبًا) أمر الله تبارك وتعالى عباده أن يتقوه في اجتناب مناهيه ، والعمل
بما يرضيه ، وتعرف - جلَّ جلالُه - إليهم بأنه خلقهم .
وفي ضمن ذكره أنه خلقهم هو الذي رزقهم ويقوم عليهم ، ثم يميتهم ثم
يحييهم ، ثم يجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها وصف نفسه - جلَّ جلالُه - بمحض الوحدانية ،
فهو الواحد خلق واحدًا ، صوَّره أحسن تصوير خلق من ذلك المخلوق زوجه واحدًا
أشبهه كافله وعائله ، أولهما هو المخلَق منه ، وهذا مقوم عل ؛ معول مفصول مكفول
وأنثى .
فاعلم بهذا الخطاب أن الكثرة عن الوحدة انفصلت وإليها ترجع ، وأن الأول
هو الفاضل والمؤخر هو المفضول ، فيجمع ذرية آدم - عليه السلام - وزوجه عن آدم ، وأن
الأنواع وإن تكثرت فإنها ترجع إلى الجنس ، وأن الأجناس فوق ذلك تكون أنواعًا
لجنس واحد يجمعها ؛ لذلك قال الله - جلَّ جلالُه -:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ).
فأول ما أوجد الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من شيء ، فهو النور أوجده - عز وجل - عن
نوره العلي النزيه الرفيع ، ثم أوجد له ضدًا وهو الظلام أوجده جلَّ ذكره عن معنى
متوهم ، أوجده - عز وجل - إرصادًا للمحنة التي قدرها ، والبلوى السابقة في علمه بها حكمة