هذا ويتبينوا النذارة ، فقد كان من قبلهم جاءتهم رسلهم بذلك فكفروا ،
فأخذهم الله بذنوبهم ، ولم يكن لهم من دون الله من ولي ولا نصير .
أتبع ذلك قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ(69)
قد كانوا يسمونه فيما بينهم الصادق الأمين ، ولم يكونوا قبل عرفوه بالتعلم من العلماء
ولا بالاختلاف والرحلة إليهم ، فكان بمثابة من أمسى ولا يعلم علمًا من العلوم ، ثم
أصبح وهو أعلم أهل الأرض .
أتبع ذلك قوله الحق: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70)
ثم قال وقوله الحق: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
وَمَنْ فِيهِنَّ ... (71) . كان من أهواءهم ما هو سوى التوحيد ، وبالعدول عنه
كانوا يدينون ، واياه كان مرادهم ، وبإزالة التوحيد وتفريق الدين لا يتوهم بقاء شيء
على ما هو عليه ، كيف وهو اللَّهُ (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) لا ينام
ولا ينبغي له أن ينام ، يرفع القسط ويخفضه ، يمسك السماوات والأرض وما بين
ذلك ، وكل شيء عنده بمقدار ، لا والد له ولا ولد ، ولا شريك له ولا ظهير .
خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ، وأسس علو ذلك وسفله على
قواعد الإسلام ، ورفع بناءهن على دعائمه ، وأسلك مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته
العلا في ذلك سلوك الأرواح في الأجسام ، وأجراه فيه جريان الغذاء في المتغذيات ،
فهذا هو الحق المبتغى والسَّبِيل القيم المرتضى ، فلو اتبع هذا الحق أهواءهم
لنازعه الكبرياء والعظمة ، ولوصفه بما ليس به ، ولو نازعه شين الكبرياء والعظمة
لقصمه ، ولو قصمه لم يمسكه ، ولو لم يمسكه طرفة عين لدكدك العالم كله بأسره
جملة واحدة .
أتبع ذلك قوله - جلَّ من قائل: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) أي:
أضرب عن هذا الحق وذكره أنا أتيناهم بما هو شرف لهم ، وذكر لغابرهم وسالفهم