قال: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) . البنان: هي أصابع اليدين ،
والبنان: أعضاء الإنسان .
يقول - عز من قائل: أأعظمتم جمعنا عظامكم البعض منها إلى البعض ،
وجلب مواد الخلقة إليها التي انتزعناها عنها حال البلاء مدة فنائها ، بلى ونحن
قادرون على تسويته خلقًا سويًّا بالحكمة التي أوجدناها عليه والقدرة التي بها قدرنا
على أول خلقها .
نظم بذلك قوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ(5) . إن كان الضمير
الذي في قوله: (أَمَامَهُ) راجعًا إلى الإنسان ، فمعناه: تقديمه المعصية وتأخيره
التوبة ، من قولهم: مضى فلان على وجهه ، أي: على غير مقصد ولا إلى مبلغ يبلغه ،
وإن كانت راجعة على الله - جلَّ ذكره - فمعناه: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ، أي:
بين يدي الله وبمشاهدة منه ، وحذف هنا كلامًا معناه ما عبر عنه ، ويطمع ألا يأخذه به
أو يجازيه بفجوره أو ما كان هذا معناه ، فإذا ذكره النذير بعقاب الله قال: (أَيَّانَ يَوْمُ
الْقِيَامَةِ (6) .
أتبع ذلك ما هو منتظم به قوله - عز وجل -: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ(7) . يعني: حين
الموت (وَخَسَفَ الْقَمَرُ(8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) . طلوع الشمس
من مغربها (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ(10) .
يقول الله - جلَّ ذكره: (كَلَّا لَا وَزَرَ(11) . أي: لا ملجأ .
(إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ(12) . كقوله:(وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ
إِلَّا إِلَيْهِ)وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك".