ثم عطف بحرف الواو بقوله: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) تنبيه منه إلى
وجوه من العبرة منها أنه يخلفنا عنها لحومها وألبانها ويغذينا به وينشؤنا عنها
ومعلوم أنه قد جمع خلقها بأمره من خزائن السَّمَاوَات والأرض والسحاب
والأجواء بالرياح والهواء ، ثم خلق عن ذلك الماء وأنزله إلى الأرض فأقره منها
قراره ، ثم أخرج منها نباتها وخلق على ذلك أنواع الحيوان ، ثم تتفرق أجسام
الحيوان والأناسي إلى آكليها وأجسام الآكلين إلى آكلين ، هكذا إلى آخر الدنيا ويوم
الانقراض ، ثم إذا دعاهم دعوة من الأرض استجاب كل من موضعه وقراره
وسلك في الاستجابة سبيل ذهابه الأول ، فإذا هم منها يخرجون(كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ
هُوَ أَقْرَبُ)أوليس الذي فعل هذا الذي بيده ملكوت كل شيء وبيده
مقاليد السماوات والأرض بقادر على أن يجمع الكل من مفترقات الأماكن
ومختلفات السبل ؟ بلى ، وهو الآن الخلاق العليم ، نشاهد ذلك منه ونعاينه .
ثم قال: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ(22) . تنبيه منه على ما
أعده لهم في الدار الآخرة من مراكب الأنعام ومراكب الفلك ، فافهم ، بلغ الله بنا
وبك .
(فصل)
قال الله - جل من قائل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (29) . فالتدبر أولًا ولا يكون إلا بتفكر وبه يتحصل العلم ، والتذكر
خاص هو لأولي الألباب والعلم بمعاني الكتاب العزيز ، وإن كان خاصًا ، فإن التذكر
بالإضافة إليه خاص الخاص .
وقد جاء في الذي أنزل فيه قوله - جل ذكره: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ
آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) ."أنه نزل"
عليه ملكان وهو نائم ، فقعد أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، ففال أحدهما