قبل نزول القرآن وبعد تمام هذه الآماد ، بل قد كان له الأمر قبل إيجاد الخليقة
ويكون له بعد الانقراض ، كما قال: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19) . وقال:
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) .
أتبع ذلك قوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4) بِنَصْرِ اللَّهِ) هذا
الدبيل الدال على أن ما تقدم ذكره هو المراد بهذا الخطاب لا ما قاله بعض
المفسرين من غلبة فارس للروم وغلبة الروم فارس ، وإن كان قد كان ذلك ، فليس
الغرض الإخبار عن أولئك ولا بنصر فارس على الروم ، والروم على فارس .
يبشر الله - جل ذكره - به المؤمنين وينزل به كتابه العزيز ويعبر عنه بكلامه
العظيم ؛ إذ ليس بموضع عبرة ولا عظة ولا بشرى للمؤمنين ، وإن كانوا قد تعللوا في
تحقيق ذلك بزعمهم بميل المؤمنين إلى الروم من أجل أنهم أصحاب كتاب ، ولا
يبلغ ذلك إلى أن يَعِد الله به عباده بقوله: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) . وليست الروم بعد إعراضهم عن الدعوة بمحمد
-صلى الله عليه وسلم - بمرحومين في قوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) وإن كانوا يدالون على
غيرهم كما يدال غيرهم عليهم .
فلحكمة الله - جل ذكره - في ذلك بالغة ، ولـ (نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) . وإنما يعبَّر أبدًا باسم"العزة"عن معنى انتقامه ، وباسم"الرحمة"عن
حكم رحمته منه بالمؤمنين ، وهذا كله ينافي على التحقيق ما ذكروه إنما البشرى
والرحمة للمؤمنين ، والوعيد والتقريع والتوبيخ في الخطاب لغيرهم ، فافهم .
أتبع ذلك قوله - عز وجل -: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ (7) . لمَّا نفى عنهم العلم ولصدق قِيله ، أثبت لهم ظاهرًا من الحياة
الدنيا ، يقول: ولو نظروا بعقولهم إلى تدوار دوائر الأمر والآيات في السماوات
والأرض لأيقنوا باليوم الآخر والحياة الآخرة ، ولقاء الله في الدار الآخرة .
(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ