والنهار يضرب مثلًا للبيان والنور والحياة والإيمان ، والعلم والإبصار ، وللإله الحق
-جل وعلا - وللهدى والنشور وللجنة والذكر .
جاء التمثيل بكل هذا في القرآن والحديث بقوله: ( [جَعَلَ لَكُمُ] اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي:
ضلةً وإشكالًا ولبسًا (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا) أي: موتًا على حياله ، وقوله:(وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا)أي: بعثًا من ذلك الموت ، آية منه على البعث من بعد
الموت ، وإخلافه الهدى بعد الضلال قدر هذا وهذا ، وأوجدهما فتنةً وذكرًا وضلالةً
وهدايةً ونورًا وظلمة وإيمانًا وكفرًا وموتًا وحياةً .
يقول - عزَّ من قائل: فلا تحزن لضلال الضالين وتثبط المتثبطين وتكذيب
المكذبين ، فهذا وهذا من حكم الله في عباده ، وحكمته في خليقته ، وهذا كله المراد
راجع به إلى ما تقدم ذكره من لدن صدر السورة إلى هنا .
أتبع هذا قوله الحق: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ...(48)
بالنون وبالباء ، فُالباء من البشرى ؛ أي: بشر بالحياة والغيث ، ويظهر
ذلك في الجو وفي الهواء والأرض والنبات ، كما يبدو أثر البشرى في وجه المبشر
بها ، وأما النور ؛ فلأنه ينشر السحاب ، أي: يظهرها ويوجدها ، فيبعثها ويرسل الرياح
وينزل المطر وينبت النبات ، فيخلق عن ذلك الأنعام وجميع الحيوان على اختلاف
أجناسه ، وتتغذى به الأناسي والبهائم ، فيبعث الله عن ذلك الأنعام والحيوان كله
والأناسي ، وذلك كله نشور .
فكم في الماء النازل من السماء من نبات على اختلافه واختلاف روائحه
وطعومه ومنافعه ومضاره إلى أقصى أوصافه ، وكم فيه من حيوان وأنعام ووحوش
وكل ذي روح ، على اختلاف أنواع ذلك وتباين أوصافه وأخلافه وصوره وما وجد
له ، وكم فيه أيضًا من إنسان شيب وشبان وأطفال وكهول ونساء ورجال ، على
اختلاف أنواع ذلك وتباين صورهم وجمالها وقبحها وأخلاقهم وصفاتهم
وحركاتهم وأفعالهم وكفرهم وإيمانهم وعلومهم وحلومهم وطاعاتهم وعصيانهم .
أشار إلى ما ذكرنا وأكثر منه بقوله: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ
بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ) يعني: الماء
(لِيَذَّكَّرُوا) بالنشأة الأولى النشأة الآخرة .