ونظم معنى هذه الآية بما تقدم من ذكر البيع بميزه الربا ، فذكر الدَّين وأحكامه
بعد ذكر الإنفاق ، وبخاصة ذكر الربا والوعيد عليه ، وكيف تكون توبة التائب منه ؛ إذ
الأموال موضع الإنفاق ، والربا يدخل إليها من باب التوسع في أنواع التبايع ، فذكر
-جلَّ جلالُه - ذلك نظمًا بذكر الأشهاد والشهادة ، ووعظ الكتاب وذكر الرهن والأمانة فيه ،
وفيما أغفل الأشهاد والكُتَّاب في عقده ، وأكد - جلَّ جلالُه - التوصية بالتقوى إلى قوله:(وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(284) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) .
قوله جل من قائل: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أشبه
هذا قوله جل قوله بدء التأليف (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ (4) .
وقوله - جلَّ جلالُه -:(وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ )جوابًا منه - جلَّ جلالُه - لقول العبد مخاطبًا له: (إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) .
ومفهوم الجواب منه: مبايعة من الله لعباده ، كيف جزاؤه إياهم على نياتهم الباطنة
والظاهرة في عبادتهم إياه وطلب المعونة ؛ لذلك وهو أعلم صدر الخطاب بوصف
نفسه ، وكان وصف الملك أولًا في هذا الموضع لمعنى العباد وأرضاه الجزاء عليها ؛
إذ الملك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه .