منبهًا على أنعمه ، ثم قال: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي: إنا
لم نجعل ذلك خشية منا النسيان .
ثم قال - تبارك وتعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ...(18)
أسكن في الأرض ما هو نافع ، وأذهب الزبد جفاء ، وأسكن الفصل باطن الأرض
أسلكه ينابيع فيها فأجرى منه الأنهار والعيون وألحقه بما ينفع الناس ، ثم قال:
(وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) آية على ذلك ما يذهبه من الماء
سيوله ومنافعه بالهواء وتبخره بالشمس حتى يجعله على قدر ما يصلح به العباد
والبلاد والزرع وغير ذلك .
قوله - جل ذكره: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ
كَثِيرَةٌ ... (19) . نبه بهذا الخطاب على اعتبار جليل خطره أي: إن هذا
الماء الذي أنزلناه لكم من السماء ، وأنشأنا لكم به الجنات من النخيل والأعناب
وغير ذلك من الفواكه اعبروا منه إلى ما يكون في العاقبة ، فإنكم شاهدتم سلالة
الطين وما يكون عن النطف المتسللة عن كل ذي جنس ونوع من الحيوان ، وكذلك
عن كل بذر من النبات أو غراسَة ، فإنما يكون عن كل ذي جنس ما هو من
جنسه ومثله وشبهه ، فالإنسان عن الإنسان ، والأنعام عن الأنعام ، وكذلك سائر
الحيوان وبذور النبات وغير ذلك .
فاقضوا إذًا بحكم الاعتبار إن هذا الماء المنزل من السماء ، الكائن عنه أنواع
الجنات إنما نزل عن جنة ، وإن لم يكن عين الجنة اليوم فيها ظاهرة ، فهي فيها باطنة ،
وكذلك الكائن عن الماء من جنات على أنواعها فهو عن الجنة ، وقد تقدم ذكر
اعتبار آخر بالماء ينزله الله من السماء طاهرًا مطهرًا ، وهو واحد في نفسه من حيث
هو ماء ، فيخرج الله عنه نبات كل شيء ، ويخلق منه كل شيء حي آية على أن الله
واحد ، وهو خالق كل شيء ، وكما في وجود الماء إثارة فيح جهنم فكان عنه نبات