قال الله - عزَّ من قائل: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) الكلمة هي عِيسَى - عليه السلام -
(وَسَيِّدًا) أي: موطوء العقب بعيسى والمصدقون بعيسى - عليه السَّلام -
كثير، وإنما وقع مصداق قوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) حين
الجيئة الأخرى، فبذلك لم يجعل الله له من قبل سميًّا، وكثير أيضًا من المصدقين
به يكونون معه كالحواريين ونظرائهم وليسوا بيحيى، وإنما هو يحيى مصدقًا يومئذ
به يحيى بن زكريا، فهذا من معنى قوله: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) إلى
ما في علم الله - جل ذكره - من شأنه.
العتي: الكبر، وكذلك العسي، يقال: عتى الرجل، كبر، وعسى بمعنى سواء
والعاسي والعاتي: هو القاسي، يقول: يبس جلدي وعظمي ولم يبَقَ لي من نضرة
الصبا والشباب ما يكون معه الولد، وإنما قيل للجبار عاتيًا لقساوة قلبه.
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا(8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) .
قوله تعالى: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا(10) . نصب (سَوِيًّا)
على الحال، يقول وهو أعلم: (آيَتُكَ) على حين تجمع خلْقه أن تُمنع الكلام وأنت
سويٌّ صحيح، فاستثنى الزمن من الكلام.
قوله جل من قائل: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) لما أوجده ناداه يا