يحيى، وأخذ الكتاب بقوة هو أخذه بعلم وفهم وعمل على ذلك، كما قال لموسى
-عليه السَّلام: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) .
يقول - وهو أعلم بما ينزل: (فَخُذْهَا) بأرفع علمها والعمل لها وبها(وَأْمُرْ
قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)العمل بأحسنها؛ أي: بأوسط ذلك، لا
غلو ولا تقصير بل برفق وتؤدة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا"
قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى"."
ثُمَّ قال - عز من قائل: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12) . الحكم هنا بمعنى
العقل وكف النفس عن شهواتها ومنعها [ما لها] ؛ لتعطى ما عليها، وكان قوله هذا
إعلامًا بأنه كان مجبولًا على ذلك من غير مجاهدة.
عبر عن ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن يحيى بن زكريا ما عصى الله قط ولا همَّ"
بمعصية"وذكر أنه كان ابن ثمان سنين، فدخل بيت المقدس، ورأى عبَّاد بني"
إسرائيل قد نقبوا التراقي، وجعلوا فيها السلاسل وعلقوها في سقف بيت
المقدس ورأى غير ذلك من أنواع اجتهادهم في العبادة، فهاله ذلك ورجع إلى
منزله، فمرَّ بصبيان يلعبون فدعوه للعب، فقال: ما للعب خلقت، وذهب إلى أمه
فسألها مسوحًا وهيئة التعبد ثم قبل على العبادة، ولما بلغ خمسة عشر عامًا