معانيه ، وتخلقوا بأخلاقه واهتدوا بهديه حتى بلغت هذه الأمة بفضل علمها وعملها
به أسمى درجات الخيرية بين الأمم قاطبة وصفَها بذلك ربّها حيث قال:( كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )
وقد تصدى لتفسير عويصاته أساطين الأمة ، وتولى لتيسير معضلاته
سلاطين الأئمة ، من الصحابة والتابعين وأئمة اللغة والمفسرين ، ثلة من الأولين وأمة
من الآخرين ، فغاصوا في بحار لججه وخاضوا في أنهار ثبَجه فنظموا في سلك
التقرير فرائده ، وأبرزوا في معرض التحرير فوائده ، وألفوا كتبا جليلة المقدار ،
وصنفوا زبئهـ أجميلة الآثار ، وفصلوا مجمله ، وبينوا معضله ، مع تحقيق للمقاصد وفق
ما يُرتاد ، وتنقيحٍ للمعاقد فوق ما يُعتاد .
فقدَّم كل مفسر أقصى ما لديه من علمه ، وتبعًا للأنحاء المختلفة لنظرهم إلى
القرآن الكريم واشتغالهم به ، نرى التفاسير ذات ألوان متنوعة ، فمنها ما يغلب عليه
إظهار النواحي اللغوية والبلاغية ، ومنها ما يغلب عليه إبراز نواحي الفقه والتشريع
وبيان أصول الأحكام ، ومنها ما يغلب عليه استخلاص الإرشادات الاجتماعية
والأدبية ، فوصلت إلا مكتبة إسلامية غنية بمختلف الثقافات القرآنية المتنوعة ، كلما
تنهل من معين هذا الكتاب العظيم الذي لا تنفد معانيه ولا [تنقضي] عجائبه ولو كانت
البحار مدادًا والأشجار أقلامًا .
ولهذ ذُخرت المكتبة الإسلامية بالعديد من ألوان التفسير والدراسات القرآنية
بحيث تدل على عناية الأمة الفائقة بكتاب الله - عز وجل - ببذل جهودهم الكبيرة وأبحاثهم
المستفيضة ، في سبيل إبراز فيوضاته العلمية الراقية ، على أيدي الأئمة الأعلام ،
والمفسرين العظام ، من بينهم: العلامة ابن برجان الإشبيلي ، الذي سنذكر أهمية
تفسيره ومكانته العلمية .
ونورد هاهنا مباحث أولها:
المفهوم اللغوي لكلمة"التفسير":
يطلق لفظ ( التفسير ) في اللغة العربية ويراد منه ؛ الكشف والبيان ، وقد ورد
اللفظ بهذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ