فهرس الكتاب

الصفحة 1927 من 2809

يقول الله - جلَّ جلالُه -: قد سبق منا العلم بإهلاك المهلكين وأعمالهم ، وبالأسباب التي

أوجبت هلاكهم ، لكنا نرسل المرسلين منذرين لهم بما هو مصيبهم ، ذكرى لهم

ولسواهم (وَمَا كُنَّا) أي: في الأزل حين التقدير عليهم بذلك (ظَالِمِينَ)

لأنا إنما أوجبنا الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ، على من لو

أدخل النار ثم أخرج منها وأعيد إلى الدنيا لعاد إلى ما كان عليه ، وكيف يكون منهم

غير ما سبق في علم العليم الحكيم ، ولما ذكرتهم الرسل ووعظتهم الكتب وبينت

لهم الآيات أعرضوا عن التذكار ، وأنفوا من صدق الاستجابة ، وردوا الحق على من

جاء به وجادلوهم بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذهم الله بذلك من كسبهم ، وهذا

هو العدل ؛ إذ لم يشأ في البدء أن يتفضل عليهم فيدخلهم في رحمته وفضله ، ذلك

قوله: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) .

(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ(210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) .

أتبع هذا قوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ(210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211)

وصرف وجه الخطاب إلى وصف القرآن ، يقول: إنما نزل

به من عند الله - جلَّ جلالُه - الملك الروح الأمين ، لم تتنزل به الشَّيَاطِين ، وما ينبغي لهم ذلك ؛

أي: أنهم ليسوا من أهل ذلك ولا هو من شأنهم ، ولا تلك بمرتبة لهم ؛ ولا

يستطيعون لمنع عراهم وصد صدهم عن ذلك .

دل على ذلك قوله: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ(212) . عزلتهم

هذه من لدن أهبط أبوهم المبلس الملعون من ملكوت السماء .

قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217) . أرى هذا الخطاب

-والله أعلم بما ينزل - معطوفا على المفهوم من قوله: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ(194)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت