يتوجه حكم الخلقة إلى النطفة يقيض الله لها حفظة يحفظونها بأمر الله من أمر الله ،
حتى إذا وضعت تخلت عنها حفظة الأرحام .
وقيض الله له معقبات من بين يدي المولود ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ،
يتعاقبون عليه بالليل والنهار ، إذا بلغ السعي وجرى عليه قلم التحصيل في الأعمال ،
فإن كان ظالمًا ضجت منه ملائكته ، وعلى قدر إسرافه في ظلمه يكون ذلك منهم ،
فإذا أراد الله به سوءًا أدال الحفظ بغيرهم ، فلا مرد لقضاء الله فيه ، (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ
وَالٍ (11) .
وأما التقي فتتنافس الملائكة - عليهم السَّلام - فيه ، [فيتعاقبون] له ملائكة بالليل
وملائكة بالنهار عن يمينه وشماله يكتبون الفرائض ، فإن كان من أهل نوافل الخير
وكثرة الذكر تولته أيضًا ملائكة فضل على الكتبة الأولى ، يكتبون له نوافله وأذكاره ،
و (لا يُغَيِّرُ) الله (مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لو أنكم كما تكونون عندي تكونون في أهليكم"
لصافحتكم الملائكة في الطرق وعلى فرشكم"."
قال الله تعالى:"أنا مع من ذكرني ، وحيثما طلبني عبدي وجدني".
وقال اللَّه - عز وجل -: (إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ . . . ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ
وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)
انتظمت هذه الآية بما قبلها من ذكر البخل
والكتمان ، والكفر والفسوق ، والنفاق والإنفاق .
قوله جل قوله: ( مَاذَا) كلمة معهودها أن تقال عند النصيحة ، والحض على
امتثال الأمر الذي لا كلفة فيه ، ولا كبير تجشم على فاعله ، يحد بذلك الفعل حظا
وغنمًا، وهو من الأعلى تأنيب ووعظ وتقرير وثبات للأمر ، يشوب ذلك رحمة ، ومن
الأسفل استعطاف واسترحام .