والصور باقية ، والأحشاء ذائبة ، ولا بد من أن [يعذبوا] في النار - أعاذنا الله
الرحيم منها برحمته - وبقدرته على سنته تلك فيهم بمقدار عدل محصل عند الله
-عز وجل - موزون ، فيحين لذلك نضج جلودهم ، وصهر ما في بطونهم ، لعظائم ترد عليهم ،
فيجدد ذلك منهم بقوله عز قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أي: في
النار يوم القيامة ، تفاعل حريقها وشدة شأنها وهم دائمون على ذلك بمعنى ما تقدم ،
هذا معناه والله أعلم ، نعوذ بالله العظيم من أهوال النار(وَالله يَقول الحَقّ وَهُوَ يهْدي
السَّبِيلَ).
وقد يمكن أن يكون المعنى في قوله عزَّ قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) زائدًا
إلى ما تقدم من ذكر التعجب من صبرهم على نار جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته
منها - التعجب أيضًا من قدرة الله - عز وجل - على إحالة هذه الحقائق في حقهم ، يشير إلى
ذلك قوله - عز وجل -: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...(176)
أي: بالواجب
وجوده الحقيقي كونه لا محالة ، كما يقال:"الله الحق والملائكة حق والساعة حق"
والجنة حق والنار حق . . ."إلى آخر الشهادات كلها ما وجد العبد الصبر مكابدة من"
نفسه فهو التصبر .
وإنما الصبر الحق ألا يجد في نفسه حرجًا ولا طعمة مرارة ولا كراهة ، فيكون
الصبر هنا يقرب من معنى الذهول عن حال غير ما هو فيه، فعلى هذا يكون(فَمَا
أصبرهم عَلَى النَّارِ).
(وَاللَّهُ) - جلَّ جلالُه - (يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
لذلك أعقب بقوله الحق: (ذَلِكَ) لا إشارة إلى حالهم تلك(بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ)أي: بالحق الكائن الموجود في الدار الآخرة من صبرهم على
النار وبقائهم عليها ، فكما أنهم في الدنيا يأكلون النار ويذهلون عن مذاقها
والإحساس بها كذلك في الآخرة لهم صبر عليها يتعجب منه هو بقاء فيه وإبقاء
على ذلك .
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى